محمد بن جرير الطبري

291

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأيُّ الأمرين كان منهم في ذلك ، أعني في دعواهم أنهم مُصْلحون ، فهم لا شك أنهم كانوا يحسبون أنهم فيما أتوا من ذلك مصلحون . فسواءٌ بين اليهود والمسلمين كانت دعواهم الإصلاحَ ، أو في أديانهم ، وفيما ركبوا من معصية الله ، وكذِبهم المؤمنينَ فيما أظهروا لهم من القول وهم لغير ما أظهرُوا مُستبْطِنون ؛ لأنهم كانوا في جميع ذلك من أمرهم عند أنفسهم محسنين ، وهم عند الله مُسيئون ، ولأمر الله مخالفون . لأن الله جل ثناؤه قد كان فرض عليهم عداوةَ اليهودِ وحربَهم مع المسلمين ، وألزمهم التصديق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله ، كالذي ألزم من ذلك المؤمنين . فكان لقاؤهم اليهودَ - على وجه الولاية منهم لهم ، وشكُّهم في نبوَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به أنه من عند الله - أعظمَ الفساد ، وإن كان ذلك كان عندهم إصلاحًا وهُدًى : في أديانهم أو فيما بين المؤمنين واليهود ، فقال جل ثناؤه فيهم : ( ألا إنهم هم المفسدون ) دون الذين ينهونهم من المؤمنين عن الإفساد في الأرض ، ( ولكن لا يشعرون ) * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) } وهذا القول من الله جل ثناؤه تكذيبٌ للمنافقين في دعواهم . إذا أمِروا بطاعة الله فيما أمرَهم الله به ، ونُهوا عن معصية الله فيما نهاهم الله عنه ، قالوا : إنما نحن مصلحون لا مفسدون ، ونحن على رُشْدٍ وهُدًى - فيما أنكرتموه علينا - دونكم لا ضالُّون . فكذَّبهم الله عز وجل في ذلك من قيلِهم فقال : ألا إنهم هم المفسدون المخالفون أمرَ الله عز وجل ، المتعدُّون حُدُودَه ، الراكبون معصيتَه ، التاركُون فروضَه ، وهم لا يشعرون ولا يَدرُون أنهم كذلك - لا الذين يأمرونهم بالقسط من المؤمنين ،